محمد بن جرير الطبري

190

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وانفلتت من بينهم . فرجعت وقد أيست ، وهي تقول : سبحان الله لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد قال : فباتت محزونة ، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير وقد مسخهم الله في ليلتهم تلك ، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت : اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه قال : فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ قال : مسخت من يهود حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه سنذكره في موضعه إن شاء الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بمعنى : وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت ، بمعنى : عابد ، فجعل " عبد " فعلا ماضيا من صلة المضمر ، ونصب " الطاغوت " بوقوع عبد عليه . وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين : " وعبد الطاغوت " بفتح العين من عبد وضم بائها وخفض " الطاغوت " بإضافة " عبد " إليه ، وعنوا بذلك : وخدم الطاغوت . حدثني بذلك المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، قال : ثني حمزة ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ : " وعبد الطاغوت " يقول : خدم . قال عبد الرحمن : وكان حمزة كذلك يقرؤها . حدثني ابن وكيع وابن حميد ، قالا : ثنا جرير ، عن الأعمش أنه كان يقرؤها كذلك وكان الفراء يقول : أن يكن فيه لغة مثل حذر وحذر ، وعجل وعجل ، فهو وجه والله أعلم . وإلا فإن أراد قول الشاعر : أبني لبينى إن أمكم * أمة وإن أباكم عبد فإن هذا من ضرورة الشعر . وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي ، وأما في القراءة فلا . وقرأ ذلك آخرون " وعبد الطاغوت " ذكر ذلك عن الأعمش ، وكأن من قرأ ذلك كذلك أراد جمع الجمع من العبد ، كأنه جمع العبد عبيدا ، ثم جمع العبيد عبدا ، مثل ثمار وثمر . وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه يقرؤه : " عبد الطاغوت " . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : كان أبو جعفر النحوي يقرؤها : " وعبد الطاغوت " كما يقول : ضرب عبد الله قال أبو جعفر : وهذه قراءة لا معنى لها ، لأن الله تعالى إنما ابتدأ الخبر بذم أقوام ، فكان فيما ذمهم به عبادتهم الطاغوت . وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عبد ، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية ، ولا من جنس ما ختمها به ، فيكون له وجه يوجه إليه من الصحة . وذكر أن بريدة الأسلمي كان يقرؤه : " وعابد الطاغوت " . حدثني بذلك المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شيخ بصري : أن بريدة كان يقرؤه عبد الطاغوت كذلك ولو قرئ ذلك : " وعبد الطاغوت " ، بالكسر كان له مخرج في العربية صحيح ، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها ، إذ كانت قراءة الحجة من القراء بخلافها ؛ ووجه جوازها في العربية أن يكون مرادا بها وعبدة الطاغوت ، ثم حذفت الهاء من العبدة للإضافة ، كما قال الراجز : قام ولاها فسقوه صرخدا يريد : قام ولاتها ، فحذف التاء من ولاتها للإضافة . وأما قراءة القراء فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما ، وهو : " وعبد الطاغوت " بنصب الطاغوت وأعمال " عبد " فيه ، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من العبادة . والآخر : " عبد الطاغوت " على مثال فعل ، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عبد " إليه . فإذا كانت قراءة القراء بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجا في العربية منهما ، فأولاهما بالصواب من القراءة قراءة من قرأ ذلك :